من الأرشيف
اتهامات بتمويل قطري سري للجامعات الأمريكية وزيادة معاداة السامية
اتهامات لجامعات أمريكية بارزة بتلقي تمويل قطري سري بمليارات الدولارات، مما يثير تساؤلات حول زيادة معاداة السامية في الحرم الجامعي.
تُتهم جامعات أمريكية بارزة، بما في ذلك كولومبيا وهارفارد وييل، بعدم الامتثال لقوانين الإفصاح عن التمويل الأجنبي، وذلك في ظل تدفق ما يقدر بنحو 100 مليار دولار من الأموال الأجنبية غير الموثقة إلى الجامعات الأمريكية. تشير التقديرات إلى أن قطر قدمت حوالي 100 مليار دولار من الأموال غير الموثقة للجامعات الأمريكية، ويُزعم أن جزءًا كبيرًا منها جاء من قطر. هذه المبالغ الضخمة من التمويل الأجنبي غير الموثق تثير تساؤلات جدية حول الشفافية وتأثيرها المحتمل على الاستقلالية الأكاديمية والخطاب داخل هذه المؤسسات التعليمية المرموقة.
تتطلب القوانين الأمريكية من الجامعات الإفصاح عن أي مساهمة أجنبية تزيد عن 250 ألف دولار. ومع ذلك، يُزعم أن جامعات مثل كولومبيا وجامعة هارفارد وجامعة ييل أخفقت في الامتثال لهذه القوانين الفيدرالية المتعلقة بالإفصاح عن المساهمات الأجنبية. وفي سياق هذه الاتهامات، قدمت جامعة هارفارد إجماليات مجمعة فقط دون تفصيل للمصدر للتمويل الأجنبي، مما يجعل من الصعب تتبع أصول الأموال وتحديد الجهات المانحة بدقة. بينما عزت جامعة ييل وجامعة كولومبيا عدم الإفصاح عن مساهمات أجنبية إلى أخطاء إدارية، وهو ما يثير المزيد من التساؤلات حول مدى جدية هذه المؤسسات في تطبيق اللوائح المنظمة للتمويل الأجنبي.
تأتي هذه الاتهامات في وقت يشهد فيه الحرم الجامعي الأمريكي ارتفاعًا مقلقًا في الحوادث المعادية للسامية. ووفقًا للبيانات، شهدت الجامعات التي قبلت أموالًا قطرية زيادة في الحوادث المعادية للسامية بنسبة تصل إلى 300% مقارنة بالجامعات التي لم تفعل ذلك. هذا الارتباط المزعوم بين التمويل الأجنبي وزيادة معاداة السامية يضيف بعدًا خطيرًا للنقاش حول تأثير هذه الأموال على البيئة الأكاديمية والاجتماعية داخل الجامعات الأمريكية.
شبكات التمويل والجامعات المتهمة
لقد كشفت التحقيقات عن شبكات معقدة لتحويل الأموال الأجنبية إلى الجامعات الأمريكية. في عام 2012، اكتشف الدكتور تشارلز آشر سمول (Dr. Charles Asher Small)، الذي يعمل في المؤسسة الدولية لدراسة معاداة السامية والسياسات العالمية (ISGAP)، شبكة من المؤسسات والبنوك تقوم بتحويل الأموال إلى جامعتي ييل (Yale) وهارفارد (Harvard). وعن هذا الاكتشاف، صرح الدكتور سمول بأنه "في حوالي ساعة واحدة، وجدت هذه الشبكة بأكملها. أنا أعمل في النظرية الاجتماعية والفلسفة. لم تكن لدي أي فكرة عما إذا كان ما وجدته حقيقياً أم أنه مجرد غيض من فيض". هذا الاكتشاف المبكر سلط الضوء على وجود آليات معقدة لتحويل الأموال قد تتجاوز الأطر التنظيمية المعمول بها.
تتضمن قائمة الجامعات التي يُزعم أنها تلقت تمويلاً قطرياً سرياً العديد من المؤسسات البارزة. يُزعم أن عشرة مليارات دولار حُولت إلى جامعة كورنيل (Cornell University) من قطر دون الإفصاح عنها، مما يمثل مبلغًا هائلاً كان يجب الإبلاغ عنه بموجب القانون. وفي السياق ذاته، يُزعم أن أكثر من مليار دولار حُولت سراً إلى جامعة جورجتاون (Georgetown University) من قطر. كما يُقدر أن 1.3 مليار دولار قد حُولت إلى جامعة تكساس إيه آند إم (Texas A&M) من قطر دون الإبلاغ عنها. الأدهى من ذلك، أن جامعة تكساس إيه آند إم منحت قطر جميع حقوق الملكية الفكرية من 504 مشاريع بحثية، مما يثير تساؤلات حول استقلالية البحث العلمي وحقوق الملكية الفكرية في الجامعات الأمريكية.
تُوصف جامعة جورجتاون، التي تلقت أكثر من مليار دولار من قطر، بأنها أهم مركز فكري للنشاط الأكاديمي لجماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة. هذا الوصف يعزز المخاوف بشأن تأثير التمويل الأجنبي على الأجندات الأكاديمية والخطاب السياسي داخل الجامعات. وعلق الدكتور سمول على جماعة الإخوان المسلمين قائلاً: "جماعة الإخوان المسلمين تأخذ نفس الكلمات والأفكار التي أدت إلى المحرقة. هذا ليس الجناح العسكري أو الجناح المتطرف. هذا جوهر عقيدتهم". وأضاف الدكتور سمول في تحليله لأساليب جماعة الإخوان المسلمين: "لمدة 50 عاماً، أتقن الإخوان المسلمون ووكلائهم لغتنا وثقافتنا وأنظمتنا الحكومية ونظامنا التعليمي. نحن في الغرب اعتبرناهم متخلفين وبدائيين. نحن لا نتحدث لغتهم. لا نفهم فلسفتهم. اعتقدنا أننا إذا عاملناهم بلطف، فسيكون كل شيء على ما يرام". هذا التصريح يشير إلى استراتيجية طويلة الأمد من جانب الجماعة للتغلغل في المجتمعات الغربية.
وفيما يتعلق بتغير تصورات الصراع في الأوساط الأكاديمية، أوضح الدكتور سمول: "في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، تغير مفهوم اليهودي تماماً. أُعيد تعريف اليهود من 'غير بيض' إلى مستعمرين بيض، مؤيدين للفصل العنصري، محتلين. ادعى إدوارد سعيد (Edward Said) في عام 1983 أن الفلسطينيين هم اليهود والإسرائيليين هم النازيون. تجاهله الناس. ربما كان يمر بيوم سيء، وربما كان منفصلاً بعض الشيء عن الواقع. تلك الأفكار، بعد 40 عاماً، هي روح العصر". وتابع قائلاً: "كانوا يجادلون في هذا على أعلى مستويات البحث والخطاب الفكري. هذه الأفكار خطيرة. تتسرب من الفصول الدراسية إلى المخيمات. والآن يسيرون في شوارعنا". هذه الملاحظات تسلط الضوء على كيف يمكن للأفكار الأكاديمية أن تتحول إلى حركات اجتماعية ذات تأثير واسع النطاق.
وفي إشارة إلى بعض الشخصيات التي قد تتبنى هذه الأفكار، تساءل الدكتور سمول: "لماذا تريد امرأة متعلمة ومتحررة للغاية أن ترتبط بحركات اجتماعية تريد إخضاع النساء، وقتل المثليين، وقتل اليهود، وتدمير الديمقراطية؟". وعن النائب زهراء ممداني (Zohran Mamdani)، قال: "نحن كمجتمع نحتاج حقاً إلى فهم من هو النائب ممداني. المأساة هي أن الكثير من اليهود صوتوا له. نحن لا نفهم ما يهدد مجتمعنا أو مبادئنا الديمقراطية". وأضاف: "أقام حفلة شفوعوت. جمع اليسار الراديكالي وبعض المتدينين المناهضين للصهيونية. يبدو رجلاً لطيفاً. لكنه ينزع الشرعية عن إسرائيل ويشيطنها في كل فرصة، وبذلك يزيد معاداة السامية في نيويورك وعبر الولايات المتحدة بطريقة خطيرة للغاية". هذه التصريحات تعكس قلقًا عميقًا بشأن تداعيات الخطاب السياسي على العلاقات المجتمعية.
وعن جهود مكافحة هذه الشبكات، ذكر الدكتور سمول: "قبل ثمانية عشر شهراً، اعتقد الكثير من الناس أن ذلك مستحيل. كيف تحظر كياناً ليس له عنوان؟ كيف تحظر كياناً في بلد يتمتع بالتعديل الأول للدستور؟ قررنا أننا سنحاول على أي حال. وقررنا حتى لو فشلنا، سنخلق وعياً بمن هي جماعة الإخوان المسلمين وما هي أيديولوجيتهم". واختتم بالقول: "الأفكار مهمة وتتسرب إلى المجتمع. إنه عدو قوي. لكن إذا ركزنا وفهمنا التهديد، وفهمنا العدو، وفهمنا أفكارهم، وفهمنا ما يضربنا، حينها يمكننا معالجة المشكلة، وليس أعراض المشكلة. ليس لدينا خيار سوى أن نكون ناجحين". هذا التفاؤل الحذر يعكس الإصرار على مواجهة التحديات الأيديولوجية المعقدة.
تداعيات التمويل على الخطاب الأكاديمي
تجاوز تأثير التمويل الأجنبي الجامعات ليشمل المراحل التعليمية المبكرة. وثّقت المؤسسة الدولية لدراسة معاداة السامية والسياسات العالمية (ISGAP) تمويلًا قطريًا لمناهج تعليمية خاصة بمرحلة رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر تُستخدم في أكثر من 8000 مدرسة أمريكية. ويُزعم أن هذه المناهج التعليمية المخصصة لمرحلة رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر تعمل على محو إسرائيل من الخريطة وتجريد التاريخ اليهودي والمسيحي من منطقة الشرق الأوسط. هذا الادعاء يثير قلقًا بالغًا حول حيادية المحتوى التعليمي وتأثيره على تشكيل وعي الأجيال الشابة.
وفي هذا السياق، قامت مؤسسة "ذا تشويسز بروجرام" (The Choices Program)، التي تتلقى تمويلًا من قطر وكيانات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، بإنشاء مواد تعليمية جرى توزيعها على أكثر من 8000 مدرسة أمريكية لطلاب مرحلة رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر. هذا التمويل الأجنبي للمناهج التعليمية يثير تساؤلات حول تأثيره على المحتوى التعليمي المقدم للطلاب الأمريكيين، خاصة وأن الارتباط بكيانات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى النقاش الدائر حول الشفافية والحيادية في المحتوى التعليمي.
وفي أعقاب الكشف عن هذه الروابط والتحقيقات، أعلنت جامعة براون (Brown University) لاحقًا إغلاق مؤسسة "ذا تشويسز بروجرام". ويأتي هذا الإغلاق في سياق الجدل المتزايد حول تأثير التمويل الأجنبي، وخاصة من قطر، على الأنظمة التعليمية الأمريكية، بما في ذلك المناهج الدراسية الموجهة للأطفال والشباب. ويُشار إلى أن القلق يتزايد بشأن ما إذا كانت هذه المناهج تعكس أجندات معينة أو تؤثر على الروايات التاريخية والجغرافية المقدمة للطلاب، مما قد يؤدي إلى تحريف الحقائق التاريخية والجغرافية.
التحقيقات الحكومية والمراقبة
لعب بحث المؤسسة الدولية لدراسة معاداة السامية والسياسات العالمية (ISGAP) دوراً محورياً في قيام الحكومة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وهو ما يُعد تطورًا كبيرًا في السياسة الخارجية الأمريكية. وفي عام 2019، عرضت ISGAP نتائج أبحاثها في قمة بواشنطن حضرها المدعي العام ورئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) وقيادات الأمن الداخلي، مما يؤكد مدى جدية هذه النتائج وتأثيرها على صانعي القرار.
بعد ذلك، أطلقت إدارة ترامب الأولى تحقيقاً فيدرالياً بشأن التمويل الأجنبي غير القانوني للتعليم العالي الأمريكي، وهو ما عكس اهتمامًا حكوميًا متزايدًا بهذه القضية. وفي غضون أشهر قليلة، اكتشف المحققون 18 مليار دولار من الأموال غير الموثقة، مما كشف عن حجم المشكلة وضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة. ومع تولي إدارة بايدن السلطة، تم إغلاق هذا التحقيق، وهو ما أثار انتقادات وتساؤلات حول أولويات الإدارة الجديدة في التعامل مع هذه القضية الحساسة.
وفي أواخر عام 2025، نشرت ISGAP تقريراً مفصلاً حول تغلغل جماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة، والذي قدم تحليلاً شاملاً للشبكات والأساليب التي تستخدمها الجماعة. وبعد أسبوعين فقط من إطلاق تقرير ISGAP، وقعت الحكومة الأمريكية أمراً تنفيذياً يصنف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، مما يؤكد على التأثير المباشر لأبحاث ISGAP على السياسة الأمريكية. هذا التطور يمثل نقطة تحول في كيفية تعامل الولايات المتحدة مع جماعة الإخوان المسلمين.
مقترحات تشريعية للمستقبل
تسعى المؤسسة الدولية لدراسة معاداة السامية والسياسات العالمية (ISGAP) إلى إقرار قانون "الردع" (DETERRENT Act)، الذي أقره مجلس النواب وينتظر الآن أمام مجلس الشيوخ. يهدف هذا التشريع إلى تعزيز الشفافية في التمويل الأجنبي للجامعات الأمريكية، وهو ما يُعد خطوة مهمة نحو معالجة القصور الحالي في قوانين الإفصاح.
يقترح قانون "الردع" خفض الحد الأدنى للإبلاغ عن المساهمات الأجنبية المقدمة للجامعات من 250 ألف دولار إلى 50 ألف دولار. من شأن هذا التعديل أن يجبر المؤسسات التعليمية على الكشف عن نطاق أوسع من التبرعات والتمويلات الخارجية، مما يسهم في زيادة المراقبة الحكومية والجمهور على مصادر الأموال الأجنبية التي تتلقاها الجامعات. هذا التغيير التشريعي المقترح يعكس الحاجة الملحة لتعزيز الشفافية والمساءلة في قطاع التعليم العالي، وضمان أن التمويل الأجنبي لا يؤثر سلبًا على الاستقلالية الأكاديمية أو يروج لأجندات تتعارض مع القيم الديمقراطية.