من الأرشيف
ندوة تكريمية لأحمد عبد المالك في معرض الدوحة للكتاب: إرث ثقافي يتجدد
ندوة تكريمية للكاتب الراحل أحمد عبد المالك في معرض الدوحة الدولي للكتاب تسلط الضوء على مسيرته الثقافية وإرثه الأدبي والفِكري.
استضاف معرض الدوحة الدولي للكتاب في نسخته الخامسة والثلاثين ندوة بعنوان "ذاكرة الأدب والنص الحي"، وذلك تكريماً للكاتب والإعلامي الراحل أحمد عبد المالك، الذي يُعد أحد أبرز المساهمين في المشهد الثقافي في قطر ومنطقة الخليج. وقد عُقدت الندوة ضمن فعاليات المعرض، مسلطة الضوء على مسيرة عبد المالك الحافلة وإسهاماته الثقافية المتنوعة التي تركت بصمة واضحة في الذاكرة الأدبية والفكرية.
مسيرة مبدع في قلب الحركة الثقافية: جذور وتأثير
تتبعت الندوة التكريمية، التي عُقدت ضمن فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب، بدايات أحمد عبد المالك في الستينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت انطلاقته الثقافية. وقد تزامن ذلك العقد مع بزوغ الحركة الثقافية في قطر، مما أسهم في تشكيل المشهد الثقافي الغني الذي نشأ فيه عبد المالك وتفاعل معه بعمق. وقد أبرز المشاركون في الندوة الانخراط النشط لعبد المالك في المشهد المسرحي والثقافي القطري منذ سن مبكرة، مما يدل على شغفه المبكر بالفنون والآداب، وحرصه على أن يكون جزءًا فاعلاً في الحراك الثقافي الوليد.
في هذا السياق، قدم الدكتور مرزوق بشير، الكاتب والباحث في الدراما والإعلام، شهادات شخصية مؤثرة حول علاقته الوطيدة مع عبد المالك. أوضح الدكتور بشير أن علاقته بعبد المالك بدأت في فترة شبابهما، وتعززت وتعمقت خلال سنوات دراستهما في الخارج، حيث تبادلا الأفكار والرؤى حول الأدب والفن والحياة، مما شكل أساسًا لروابط فكرية متينة. وقد استمرت هذه التبادلات الفكرية بينهما، حسبما ذكر الدكتور بشير، خلال مراحل مختلفة من مسيرتيهما الأكاديمية والمهنية، بما في ذلك فترة دراسته للدكتوراه في الإعلام في الولايات المتحدة، حيث كان عبد المالك حاضرًا دائمًا في النقاشات الفكرية.
وأضاف الدكتور مرزوق بشير، مؤكدًا على عمق العلاقة وتأثيرها: "استمرت تبادلتهما الفكرية طوال مراحل مختلفة من مسيرتيهما الأكاديمية، بما في ذلك خلال دراسته للدكتوراه في الإعلام في الولايات المتحدة". وأكد الدكتور بشير أن "هذا انعكس في حضور عبد المالك الدائم في المشهدين الثقافيين القطري والعربي كمفكر صاحب رؤية واضحة ومشروع فكري متكامل، مما جعله مرجعًا ومصدر إلهام للكثيرين".
شهادات حول دعم المواهب والإرث الأدبي: بصمة لا تُمحى
وُصف أحمد عبد المالك بأنه أحد أبرز المساهمين في المشهد الثقافي في قطر ومنطقة الخليج، وقد تجسد هذا الدور في تأثيره الواسع على الساحة الأدبية والثقافية، مما جعله شخصية محورية في تطور الحراك الثقافي بالمنطقة. وشملت مساهماته مجالات متعددة، من الكتابة الأدبية الرصينة إلى النشاط الإعلامي الملتزم، مما عزز مكانته كمثقف له بصمته الواضحة في تشكيل الوعي الثقافي والارتقاء بالذائقة الفنية.
وفي هذا السياق، صرح الدكتور أحمد الحيدر، رئيس قسم الإعلام بالجامعة الدولية في الكويت وممثل دار بلاتينيوم للنشر والتوزيع، أن عبد المالك كان معروفًا بدعمه اللامحدود للكتاب الصاعدين، حيث كان يرى فيهم امتدادًا للمشروع الثقافي الذي آمن به. وأضاف الدكتور الحيدر أن "الراحل كان معروفًا على نطاق واسع بدعمه للكتاب الصاعدين والحفاظ على حضور قوي في الفعاليات الثقافية ومعارض الكتب، حيث كان يحرص على التواصل مع الأجيال الجديدة وتقديم النصح والإرشاد". وأشار إلى أن عبد المالك "ترك بصمة دائمة على الساحة الثقافية الخليجية، تتجلى في أعماله الخالدة والأجيال التي رعاها".
وخلص المشاركون في الندوة إلى أن إرث أحمد عبد المالك يمثل تجربة ثقافية شاملة ومتكاملة، مما ضمن له مكانة راسخة في الذاكرة الأدبية الخليجية والعربية. وأكدت الشهادات المقدمة خلال الفعالية على عمق تأثيره الفكري والأدبي، ودوره المحوري في تشكيل الوعي الثقافي لجيل كامل من الكتّاب والقراء في المنطقة، حيث استمرت أعماله وأفكاره في إلهام الأجيال المتعاقبة.
تأملات في القراءة واستخلاص الدروس: رؤى ملهمة
تحدثت أمل أحمد عبد المالك، الكاتبة والإعلامية، عن شخصية والدها الراحل، مسلطة الضوء على التزامه العميق باللغة والدقة والتنظيم في عمله، وهي قيم كانت تشكل جوهر منهجه الإبداعي. وذكرت أمل أن والدها "كان يعتبر الكتابة مسؤولية عظيمة يتعامل معها بجدية وتفانٍ لا مثيل لهما، مشيرة إلى شغفه بتوجيه الكتاب الشباب ومراجعة أعمالهم بمنظور نقدي متفكر، يهدف إلى الارتقاء بمواهبهم لا مجرد تقييمها". هذا الالتزام باللغة والأدب عكس رؤيته الشاملة لدور المثقف في المجتمع.
من جانب آخر، استضاف المسرح الرئيسي بالمعرض محاضرة بعنوان "تأمل وتدبر: رحلة في وقفات القراءة واستخلاص الدروس". ألقى المحاضرة الدكتور يان الله القرني، عضو هيئة التدريس بكلية التربية في جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية. وأكد الدكتور القرني أن "التأمل ضروري لفهم الحياة والتعلم من التجارب اليومية، مشيراً إلى أن العديد من الناس يكررون الأخطاء نفسها لأنهم يفشلون في التوقف والتفكير في المواقف التي يواجهونها، مما يحرمهم من فرصة النمو والتطور". وأضاف الدكتور القرني أن القراءة المتأنية والتدبر الواعي هما مفتاح استخلاص الدروس والعبر من النصوص، سواء كانت أدبية أو علمية أو دينية، مما يعزز الفهم العميق للحياة ومجرياتها.
اختتمت فعاليات الندوة والمحاضرة بتأكيد المشاركين على أهمية استمرارية الحراك الثقافي، وضرورة الاحتفاء بالرموز الأدبية والفكرية التي أسهمت في بناء الوعي الجمعي، مثل أحمد عبد المالك. وقد عكس المعرض من خلال هذه الفعاليات، التزامه بدعم الثقافة والأدب، وتقديم منصة للحوار الفكري وتبادل الخبرات بين الأجيال.